في كل يوم، تمر بنا قصص وأحداث صغيرة، لكنها تكشف لنا عن معانٍ كبيرة كنا نجهلها أو نمر عليها مرور الكرام. ومن بين هذه المعاني، مفهوم "الرزق".
لسنوات طويلة، ظل هذا المفهوم في أذهاننا مرتبطاً بالمال وحده؛ كأن الرزق لا يكون إلا أوراقاً نقدية أو ثروة تُجمع. لكن الحياة، بتجاربها المتكررة، تعلّمنا شيئاً آخر: أن الرزق قد يأتي في هيئة كلمة صادقة قيلت في الوقت المناسب، أو موقف غيّر مسار تفكيرنا، أو إنسان عبر طريقنا فغيّر حياتنا نحو الأفضل. أما إن كان الأثر نحو الأسوأ، فذلك لا يمت للرزق بصلة، مهما بدا في ظاهره جذاباً أو مغرياً.
حين تكون الصداقة رزقاً أستعرض في هذا المقال قصة صديقة عزيزة عليّ، وجدت أن رزقها الحقيقي لم يكن في شيء ماديّ، بل في إنسانة غيّرت مسار حياتها.
تحدثني صديقتي عن نفسها في تلك المرحلة، فتقول إنها كانت فتاة انطوائية، لا تُكثر من مخالطة زميلاتها ولا تسعى لبناء صداقات جديدة. ولا ألومها على ذلك؛ فالخوف كثيراً ما يدفعنا إلى الانغلاق على أنفسنا، إذ لا يمكننا أن نثق بكل من حولنا، ولا أن نبوح لهم بما يخصنا. فكم مرة تحدثنا فيها عن أنفسنا مع أشخاص ظننا أنهم أهل للثقة، ثم اكتشفنا لاحقاً أن حديثنا صار مادة يُتناقل بها عنا، أو أن ما ائتمنّاهم عليه لم يكن أمانة في أيديهم؟ من هنا، لا غرابة أن يختار كثيرون منا الانطواء وسيلةً للحماية.
وفي أحد الأيام، وداخل أحد الفصول الدراسية، انتقلت إلى صفهم فتاة جديدة، كانت هي الأخرى أكثر انطواءًا منها. تقول صديقتي: لم تكن تلك الفتاة تتحدث مع أحد من زميلاتها، ولم تحاول أن تندمج. فاقتربتْ منها هي بنفسها، وبدأتا تتبادلان أطراف الحديث.
ومن هناك، بدأت علاقة تنمو يوماً بعد يوم، حتى أصبحت صداقة وطيدة وعميقة، إلى درجة أن الانسجام بينهما تجاوز حدود الكلام. تقول صديقتي إنهما كثيراً ما كانتا تتوافقان في اختيار الملابس، أو في طريقة الحديث، أو حتى في الأهداف والطموحات، دون اتفاق مسبق أو حديث سابق في الموضوع. توافق عفوي، لم تكن تتوقعه، وأدهشها في كل مرة يتكرر فيها. موقف يكشف معدن الصداقة
يوم ظهور نتائج امتحانات المرحلة الثانوية، نجحت الصديقتان معاً، لكن بمعدل مختلف؛ إذ تفوقت صديقتها عليها بمعدل أعلى.
والسؤال الذي قد يخطر ببال أي منا: هل فرحت تلك الفتاة بمعدلها المرتفع؟ الجواب، على عكس ما قد نتوقع، كان لا. لقد حزنت على صديقتي، وعلى المعدل الذي حصلت عليه، أكثر بكثير مما فرحت بإنجازها الشخصي.
ولماذا هذا الحزن تحديداً؟ تشرح صديقتي أن كلتيهما كانتا تحلمان بدراسة المجال الطبي معاً، جنباً إلى جنب. وحين تبيّن أن الفارق في المعدل سيفرّق بينهما، وأن إحداهما ستمضي في هذا الطريق وحدها، كان ذلك كافياً ليكسر فرحة النجاح. ظلت صديقتي تواسيها يومين أو ثلاثة، وتحاول تهدئتها، مذكّرةً إياها بأن هذا قضاء الله وقدره، وأن ما شاء الله كان. وبقليل من القناعة، هدأت الفتاتان. حين يخذلك الأقربون ويسندك الغرباء
افترقت الصديقتان، فدخلت كل واحدة منهما جامعة مختلفة. لكن صداقتهما لم تنقطع، بل استمرت عبر التواصل المتبادل والحديث الدائم.
لسنوات طويلة، ظل هذا المفهوم في أذهاننا مرتبطاً بالمال وحده؛ كأن الرزق لا يكون إلا أوراقاً نقدية أو ثروة تُجمع. لكن الحياة، بتجاربها المتكررة، تعلّمنا شيئاً آخر: أن الرزق قد يأتي في هيئة كلمة صادقة قيلت في الوقت المناسب، أو موقف غيّر مسار تفكيرنا، أو إنسان عبر طريقنا فغيّر حياتنا نحو الأفضل. أما إن كان الأثر نحو الأسوأ، فذلك لا يمت للرزق بصلة، مهما بدا في ظاهره جذاباً أو مغرياً.
حين تكون الصداقة رزقاً أستعرض في هذا المقال قصة صديقة عزيزة عليّ، وجدت أن رزقها الحقيقي لم يكن في شيء ماديّ، بل في إنسانة غيّرت مسار حياتها.
تحدثني صديقتي عن نفسها في تلك المرحلة، فتقول إنها كانت فتاة انطوائية، لا تُكثر من مخالطة زميلاتها ولا تسعى لبناء صداقات جديدة. ولا ألومها على ذلك؛ فالخوف كثيراً ما يدفعنا إلى الانغلاق على أنفسنا، إذ لا يمكننا أن نثق بكل من حولنا، ولا أن نبوح لهم بما يخصنا. فكم مرة تحدثنا فيها عن أنفسنا مع أشخاص ظننا أنهم أهل للثقة، ثم اكتشفنا لاحقاً أن حديثنا صار مادة يُتناقل بها عنا، أو أن ما ائتمنّاهم عليه لم يكن أمانة في أيديهم؟ من هنا، لا غرابة أن يختار كثيرون منا الانطواء وسيلةً للحماية.
وفي أحد الأيام، وداخل أحد الفصول الدراسية، انتقلت إلى صفهم فتاة جديدة، كانت هي الأخرى أكثر انطواءًا منها. تقول صديقتي: لم تكن تلك الفتاة تتحدث مع أحد من زميلاتها، ولم تحاول أن تندمج. فاقتربتْ منها هي بنفسها، وبدأتا تتبادلان أطراف الحديث.
ومن هناك، بدأت علاقة تنمو يوماً بعد يوم، حتى أصبحت صداقة وطيدة وعميقة، إلى درجة أن الانسجام بينهما تجاوز حدود الكلام. تقول صديقتي إنهما كثيراً ما كانتا تتوافقان في اختيار الملابس، أو في طريقة الحديث، أو حتى في الأهداف والطموحات، دون اتفاق مسبق أو حديث سابق في الموضوع. توافق عفوي، لم تكن تتوقعه، وأدهشها في كل مرة يتكرر فيها. موقف يكشف معدن الصداقة
يوم ظهور نتائج امتحانات المرحلة الثانوية، نجحت الصديقتان معاً، لكن بمعدل مختلف؛ إذ تفوقت صديقتها عليها بمعدل أعلى.
والسؤال الذي قد يخطر ببال أي منا: هل فرحت تلك الفتاة بمعدلها المرتفع؟ الجواب، على عكس ما قد نتوقع، كان لا. لقد حزنت على صديقتي، وعلى المعدل الذي حصلت عليه، أكثر بكثير مما فرحت بإنجازها الشخصي.
ولماذا هذا الحزن تحديداً؟ تشرح صديقتي أن كلتيهما كانتا تحلمان بدراسة المجال الطبي معاً، جنباً إلى جنب. وحين تبيّن أن الفارق في المعدل سيفرّق بينهما، وأن إحداهما ستمضي في هذا الطريق وحدها، كان ذلك كافياً ليكسر فرحة النجاح. ظلت صديقتي تواسيها يومين أو ثلاثة، وتحاول تهدئتها، مذكّرةً إياها بأن هذا قضاء الله وقدره، وأن ما شاء الله كان. وبقليل من القناعة، هدأت الفتاتان. حين يخذلك الأقربون ويسندك الغرباء
افترقت الصديقتان، فدخلت كل واحدة منهما جامعة مختلفة. لكن صداقتهما لم تنقطع، بل استمرت عبر التواصل المتبادل والحديث الدائم.
وهنا تكمن المفارقة التي دفعت صديقتي إلى مشاركة هذه القصة: فبينما وقفت تلك الفتاة، التي لم تكن تربطها بها صلة قرابة، إلى جانبها بكل صدق، لم يهنئها أقرب المقربين إليها حتى بحصولها على معدلها. سواء كان ذلك حسداً، أو غيرة، أو تكبراً بسبب معدل أعلى، فإن النتيجة كانت واحدة: غياب المشاركة الصادقة ممن ظنّتهم الأقرب إلى قلبها.
خلاصة القول
